الشيخ محمد النهاوندي

35

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أقول : فيه أنّ الظاهر أنّ الآيتين بيان لحال الانسان قبل خروج روحه . [ سورة ق ( 50 ) : آية 19 ] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ( 19 ) ثمّ لمّا استبعدوا البعث بيّن سبحانه بعض أهوال النّزع وقيام الساعة بقوله : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وشدّته المذهبة للعقول المزيلة للفطن الجاعلة للانسان كالسكران بِالْحَقِّ والموت الثابت الذي لا محيص عنه . نقل رواية عامية في فضيلة علي عليه السّلام وجهل عمر كما حكى بعض العامة أنّ رجلا أتى عمر وقال : إنّي أحبّ الفتنة ، وأكره الحقّ ، وأشهد بما لم أره . فحبسه عمر ، فبلغت قصّته أمير المؤمنين عليه السّلام ، فقال : « يا عمر حبسته ظلما » فقال : كيف ذلك ؟ قال : « لأنّه يحبّ المال والولد ، وقال اللّه تعالى : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ « 1 » ويكره الموت وهو الحقّ ، قال تعالى : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ويشهد بأنّ اللّه واحد وهو لم يره » فقال عمر : لولا عليّ لهلك عمر « 2 » انتهى . فيقول له ملك الموت ، أو لسان حاله : يا إنسان ذلِكَ الموت الذي نزل بك هو ما كُنْتَ في الدنيا مِنْهُ تَحِيدُ وتميل وتهرب ، بل تحسب أن لا ينزل عليك لانغمارك في شهوات الدنيا وحبّها ، والتعبير بالماضي للإيذان بتحقّقه وقربه ، وإسناد إتيان الموت إلى سكرته لبيان غاية شدّتها ، فكأنّ شدّة حال النزع اقتضت الموت ، وأمات ذلك الانسان . وقيل : إنّ المراد بالحقّ الدين الذي جاء به الرسول « 3 » ، فانّ الانسان حال احتضاره يظهر له حقّانيته ، فكنّى سبحانه عن ظهور الحقّ بالسّكرة باتيانها به ، أو المراد من الحقّ العذاب المعدّ للكفّار ، فإنّه ينزل عليه بالموت ، أو يراه في حال الاحتضار وميله عن الحقّ على التقديرين إنكاره إياه . عن القمي رحمه اللّه ، قال : نزلت في الأول « 4 » . أقول : يعني أنّه أظهر من تنطبق عليه الآية ، روت العامة عن عائشة ، أنّها قالت : أخذت أبا بكر غشية من الموت ، فبكيت عليه ، فأفاق أبو بكر ، فقال : وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ « 5 » . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 20 إلى 29 ] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ( 20 ) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ( 21 ) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ( 22 ) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ( 23 ) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ( 24 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ( 25 ) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ ( 26 ) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ( 27 ) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ( 28 ) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 29 )

--> ( 1 ) . التغابن : 64 / 15 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 118 . ( 3 ) . تفسير الرازي 28 : 164 . ( 4 ) . تفسير القمي 2 : 324 ، تفسير الصافي 5 : 61 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 9 : 118 .